
الاتفاق بين قسد والحكومة السورية: استعجال سياسي أم خطوة نحو الحل؟
في خطوة غير متوقعة، ظهر الرئيس أحمد الشرع، مساء أمس الإثنين، إلى جانب قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي داخل قصر الشعب بدمشق، حيث تم التوقيع على اتفاق يتضمن ثماني نقاط محورية، أبرزها دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية، وضمان حقوق الأكراد، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية.
رهان الشرع على الحل السلمي منذ توليه الرئاسة:
راهن أحمد الشرع على حل ملف “قسد” عبر الحوار السلمي، رغم الضغوط الداخلية والخارجية التي طالبت بحسم الأمر عسكرياً. وخلال مقابلة سابقة في شباط الماضي، أكد الشرع أن “قسد” أبدت استعدادها لتسليم السلاح للدولة، لكنه أشار إلى وجود بعض الخلافات التي كانت تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي.
ومع تزايد التوتر بين “قسد” و”الجيش الوطني”، ورفض عبدي دعوة عبد الله أوجلان لإلقاء السلاح، بالإضافة إلى ترحيبه بالدعم الإسرائيلي مؤخراً، بدا المشهد معقداً، مما جعل العديد يعتقدون أن الحل السياسي أصبح مستحيلاً.
اتفاق اللحظة الأخيرة الاتفاق، الذي تم الترتيب له منذ 20 شباط بدعم أميركي، جاء بعد مؤشرات على أن إدارة ترامب تدرس سحب قواتها من سوريا، وهو ما دفع واشنطن لتسريع المفاوضات لتفادي أي فراغ أمني. ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن مظلوم عبدي وصل إلى دمشق على متن طائرة أميركية، وعُقدت عدة جلسات مغلقة لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق.
وبالرغم من التقدم الذي شهدته المحادثات، إلا أن عبدي بدا متردداً قبل التوقيع، مما أثار تساؤلات حول نواياه، وهل كان يسعى لكسب تنازلات إضافية عبر التلويح بتحالفات خارجية؟
أبرز بنود الاتفاق الاتفاق شمل ثمانية بنود رئيسية، منها:
- ضمان حقوق جميع السوريين في المشاركة السياسية على أساس الكفاءة، دون تمييز.
- الاعتراف بالمجتمع الكردي كمكوّن أصيل في الدولة السورية وضمان حقوقه.
- وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية.
- دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن إدارة الدولة.
- إعادة المهجرين إلى مناطقهم مع توفير الحماية اللازمة.
- دعم الدولة السورية في مواجهة أي تهديد يمسّ أمنها.
- رفض أي محاولات للتقسيم أو بث الفتنة بين مكونات المجتمع.
- تنفيذ الاتفاق قبل نهاية العام الحالي.
هذا الاتفاق، رغم الجدل الذي أثاره، يعكس تحولاً مهماً في المشهد السياسي السوري، حيث بات واضحاً أن الحوار والتفاهمات السياسية باتت السبيل الأمثل لتجنب الانقسام والصراع.
اتفاق مبدئي وقضايا عالقة
خلفيات الاستعجال في توقيع الاتفاق
وفقاً لمصدر داخل “قسد”، فإن الاتفاق تم بدفع من الولايات المتحدة بهدف منع إيران ووكلائها من استغلال الفراغ الأمني والتوترات في المنطقة، بالإضافة إلى الحيلولة دون استفادة “تنظيم الدولة” (داعش) من الوضع الراهن.
قضايا عالقة وآليات التنفيذ
كشف المصدر عن وجود عشرات القضايا العالقة التي قد تستغرق نحو عامين لحلها، حيث تم الاتفاق على تشكيل ثماني لجان لمعالجة هذه القضايا، والتي تشمل:
- آلية دمج “قسد” وشكل هذا الاندماج
- ملف الإدارة الذاتية ومؤسساتها
- دور قوات الأمن الداخلي (الأسايش)
- تنظيم ملف النفط والغاز
- إعادة تفعيل مؤسسات الدولة
- إدارة سجون “داعش” والمخيمات
وضع القوات الحكومية ودور “قسد”
أكد المصدر أن الاتفاق الحالي لا يتضمن إدخال أي قوات حكومية إلى شمال شرقي سوريا، رغم مناقشات جارية حول انتشار وحدات من وزارة الدفاع السورية على الحدود مع تركيا، دون التوصل إلى اتفاق نهائي. كما ستستمر “قسد” في السيطرة على سجون “داعش” والمخيمات وقيادة العمليات الأمنية ضد خلايا التنظيم بالتنسيق مع التحالف الدولي.
تحركات إقليمية ودولية
تحالف إقليمي جديد بقيادة تركيا
في ضوء التطورات الأخيرة، بدا أن الاتفاق بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” جاء ضمن ترتيبات إقليمية ودولية تهدف إلى منع الفوضى، خاصة مع استمرار واشنطن في خططها للانسحاب من سوريا، مما أثار تحركات تركية لتشكيل تحالف إقليمي لمواجهة التنظيمات المتشددة وإضعاف “قسد”.
أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في 6 آذار الجاري، أن بلاده تسعى لتطوير تحالف بديل عن الدور الأميركي، مع التأكيد على رفض أنقرة لاستمرار وجود “قسد” في المنطقة. كما أشار إلى احتمال أن تتولى القوات التركية إدارة معسكرات وسجون “داعش” شمال شرقي سوريا.
اجتماع عمان والتنسيق الإقليمي
عُقد “اجتماع عمان” السبت الماضي، بحضور ممثلين عن سوريا ودول الجوار (تركيا، العراق، لبنان، والأردن)، لبحث التعاون في مكافحة الإرهاب، الحد من تهريب المخدرات والأسلحة، والتصدي للتحديات الأمنية الإقليمية. وشهد الاجتماع مشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء هيئات الأركان ومديري المخابرات، في خطوة تهدف إلى تعزيز الدور الإقليمي في ظل تراجع الدور الأميركي.
الخلاصة
يبدو أن الاتفاق بين “قسد” والحكومة السورية لم يكن سوى جزء من مشهد أوسع يعكس ترتيبات إقليمية ودولية معقدة، حيث يتشابك الدور الأميركي المتراجع مع تحركات تركية حثيثة لبناء تحالف إقليمي، وسط استمرار “قسد” في لعب دور أمني مركزي رغم القضايا العالقة.