
بين جنيف وسوتشي وأستانا.. فشل وساطة الأمم المتحدة في سوريا
فشل وساطة الأمم المتحدة في سوريا
بعد أكثر من 700 جلسة لمجلس الأمن الدولي حول سوريا، لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 نتيجة جهود الأمم المتحدة، بل رغمها. فقد انهار النظام خلال 11 يومًا فقط إثر هجوم خاطف من فصائل المعارضة، مما كشف عن فشل الوساطة الأممية التي استمرت لأكثر من عقد.
إخفاق دبلوماسي متكرر
تعاقب أربعة مبعوثين أمميين على الملف السوري، بدءًا من كوفي عنان، مرورًا بالأخضر الإبراهيمي، ثم ستيفان دي ميستورا، وأخيرًا غير بيدرسن، لكن لم ينجح أي منهم في فرض مسار سياسي فاعل أو تحقيق اختراق ملموس في الأزمة. كان مجلس الأمن منصة لمواقف متضادة، حيث شلت الخلافات بين الدول دائمة العضوية آليات العمل الأممي، مما جعل الملف السوري مثالًا واضحًا لعجز النظام الدولي عن إدارة الأزمات المعقدة.
الأمم المتحدة بين العجز والتهميش
منذ عام 2011، كانت سوريا القضية الأكثر تداولًا في اجتماعات مجلس الأمن، حيث عقد المجلس نحو 700 جلسة لمناقشة الجوانب السياسية، الإنسانية، وملف الأسلحة الكيميائية. رغم ذلك، لم تسفر تلك الجلسات عن نتائج حقيقية، بل تحولت إلى مسرح سياسي تعكس فيه الدول الكبرى خلافاتها. ومع مرور الوقت، تراجعت فعالية الأمم المتحدة حتى أصبحت شبه غائبة عن التطورات الأخيرة، حيث سقط النظام دون أي دور فاعل لها.
فشل القرارات الأممية
خلال الأزمة السورية، تبنى مجلس الأمن 25 قرارًا فقط، بينما فشل في تمرير 29 مشروع قرار بسبب الفيتو أو عدم الحصول على الأصوات الكافية. معظم هذه القرارات ركزت على المساعدات الإنسانية والأسلحة الكيميائية، بينما لم تنجح الأمم المتحدة في فرض أي حل سياسي شامل. وفي عام 2024، لم يصدر المجلس أي قرار حول سوريا، وكأن الملف قد خرج تمامًا من أولوياته.
سقوط الأسد.. نقطة تحول
مع انهيار نظام الأسد، تغيرت معادلات الصراع في سوريا. باتت الأمم المتحدة بحاجة إلى استراتيجية جديدة تتجاوز الوساطة السياسية التقليدية التي أثبتت فشلها، وتنتقل إلى دعم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار. المرحلة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع قد تستوجب دورًا أمميًا مختلفًا، يركز على دعم الاستقرار بدلاً من الاستمرار في مساعٍ دبلوماسية غير مجدية.
الأمم المتحدة ومجلس الأمن.. بيانات بلا تأثير
في 17 ديسمبر، أصدر مجلس الأمن بيانًا صحفيًا يدعو إلى تنفيذ عملية سياسية “يقودها السوريون أنفسهم”، وفق القرار 2254. وعلى الرغم من الدعم المعلن للمبعوث الأممي غير بيدرسن، إلا أن هذا لم يغير شيئًا على أرض الواقع. فبعد أقل من شهرين، دخل تحالف الفصائل المعارضة إلى دمشق، وأُعلن أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا، بينما علّقت كافة مؤسسات النظام السابق، بما فيها البرلمان والجيش وحزب البعث.
أحمد الشرع.. من زعيم عسكري إلى رئيس انتقالي
في 29 يناير، ظهر أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم “أبو محمد الجولاني”، ليعلن تشكيل حكومة انتقالية شاملة وعقد “حوار وطني” لوضع أسس المرحلة القادمة. ورغم خلفيته العسكرية وقيادته السابقة لـ”هيئة تحرير الشام”، المدرجة كمنظمة إرهابية، فإن الشرع أكد أن الأولوية الآن هي لوحدة البلاد وإعادة الاستقرار.
التغيرات الدبلوماسية والاعتراف الدولي
مع تحول السلطة في دمشق، بدأت الوفود الأجنبية بالتوافد، في مؤشر على الاعتراف التدريجي بالسلطة الجديدة. وشملت هذه الزيارات مسؤولين من الولايات المتحدة، أوروبا، وروسيا، إضافة إلى لقاءات رسمية بين الشرع والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
تصاعد العنف في الساحل السوري
رغم هذه التغيرات، شهدت مدينتا اللاذقية وطرطوس في مارس اشتباكات دامية بين مجموعات مسلحة تابعة للنظام السابق وقوات السلطة الانتقالية، مما أسفر عن مقتل أكثر من ألف مدني في أحداث وصفت بأنها مجازر. دفع ذلك الولايات المتحدة وروسيا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، في خطوة نادرة تعكس تقاربًا جديدًا بين القوتين بشأن الملف السوري.
الأمم المتحدة.. بين العجز وإعادة التمركز
على مدار 14 عامًا، لم تتمكن الأمم المتحدة من تحقيق أي تقدم ملموس في إطلاق سراح المعتقلين أو تأمين عودة اللاجئين، وهو ما أشار إليه الشرع في مقابلة له في ديسمبر 2024. ومع فقدانها للدور السياسي، قد يتحول تركيز المنظمة إلى دعم جهود إعادة الإعمار، وهو المجال الذي تمتلك فيه خبرة وقدرة أكبر.
خاتمة
مثّل الملف السوري امتحانًا لقدرة الأمم المتحدة على إدارة الأزمات الدولية، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال. اليوم، ومع التغيرات الجديدة، يبقى السؤال: هل ستعيد المنظمة الأممية صياغة دورها في سوريا، أم أنها ستواصل النهج ذاته الذي قادها إلى الفشل؟
إقراء ايضا:
الأونروا: شريان حياة للاجئين الفلسطينيين في سوريا وسط تحديات مستمرة
ترميم المساجد في إدلب: إعادة الأمل للمجتمع المحلي
ضبط أسلحة وذخائر في دير الزور كانت مخصصة لفلول النظام السابق
تحسن الكهرباء في دمشق يبث التفاؤل.. هل يمكن الوصول إلى تغذية 24 ساعة يوميًا؟
سوريا بين الانتقال السياسي وإعادة الإعمار.. تحديات وفرص
تسليم المعتقلين السوريين في لبنان..لبنان يستعد لتسليم 700 معتقل سوري إلى دمشق