
رغم الترحيب بالحكومة الجديدة.. لماذا يتأخر الغرب في رفع العقوبات عن سوريا؟
لماذا يتأخر الغرب في رفع العقوبات عن سوريا؟
في الوقت الذي أبدت فيه دول غربية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، ترحيبها بالحكومة السورية الجديدة، لا تزال العقوبات المفروضة على دمشق قائمة، مع تأجيل أي تخفيف لها. ورغم أن الحكومات الغربية تربط قرارها هذا بشروط سياسية تتعلق بـ “تمثيل الأقليات” و”وقف الانتهاكات”، إلا أن هناك دوافع أعمق تتصل بالمصالح الجيوسياسية والصراع على موارد شرقي المتوسط.
الصراع على الغاز والنفوذ في شرقي المتوسط
يشكل حوض شرقي المتوسط أحد أهم المناطق الغنية بالغاز، حيث تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أنه يحتوي على نحو 122 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، إضافة إلى 107 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج. وتشمل هذه المنطقة المياه الإقليمية السورية، التي يُعتقد أنها تمتلك احتياطيات كبيرة غير مستغلة، تضاهي تلك الموجودة قبالة سواحل مصر وقبرص.
وتسعى قوى إقليمية ودولية، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى تأمين مصالحها في المنطقة عبر فرض ترتيبات محددة، وهو ما يجعل ملف العقوبات ورقة ضغط تُستخدم لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، بدلاً من أن تكون مجرد أداة لمعاقبة النظام السابق.
إسرائيل والضغط على واشنطن
تلعب إسرائيل دورًا رئيسيًا في تحديد موقف الغرب من سوريا، حيث تسعى لضمان سيطرتها على مسار الغاز في شرقي المتوسط عبر مشروع “إيست ميد”، الذي يهدف إلى نقل الغاز من المنطقة إلى أوروبا عبر اليونان. ويشارك في هذا المشروع شركات إسرائيلية وأوروبية وأميركية، ويُنظر إليه كوسيلة لتقليل نفوذ تركيا وروسيا في سوق الطاقة الأوروبي.
ورغم أن واشنطن تراجع العقوبات المفروضة على سوريا، فإن الضغوط الإسرائيلية تُبقيها قائمة، لضمان عدم استغلال سوريا مواردها الطبيعية بشكل يخدم تحالفات قد تعرقل المصالح الغربية.
الموقف الأوروبي: تقييدات مشروطة
على الرغم من قرار الاتحاد الأوروبي في فبراير الماضي تعليق بعض العقوبات على سوريا، خصوصًا في مجالات الطاقة والنقل، فإن هذه التعديلات لا تعني رفع العقوبات بالكامل، بل هي خطوات محسوبة تهدف إلى تحقيق انتقال سياسي يخدم المصالح الغربية.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس أن أي رفع للعقوبات سيكون “مؤقتًا”، ومرتبطًا بتطورات محددة، مثل تشكيل حكومة شاملة، ووقف استهداف المدنيين، والالتزام بالقانون الدولي البحري.
ألمانيا وفرنسا.. شروط إضافية
من جانبها، تشترط ألمانيا انسحاب القوات الروسية من سوريا كخطوة أولى قبل النظر في تخفيف العقوبات، حيث تعتبر الوجود العسكري الروسي تهديدًا طويل الأمد للأمن الأوروبي.
أما فرنسا، فقد وضعت “خريطة طريق” تتضمن دعمًا اقتصاديًا مشروطًا للحكومة السورية الجديدة، مقابل اتخاذها خطوات محددة تتعلق باللاجئين وترسيم الحدود البحرية مع دول الجوار، مثل لبنان وقبرص.
تركيا والصفقة البحرية
في ظل هذه الترتيبات، تسعى تركيا إلى فرض وجودها كلاعب رئيسي في شرقي المتوسط، حيث بدأت التفاوض مع الحكومة السورية الجديدة على ترسيم الحدود البحرية، بهدف إلغاء اتفاقيات سابقة منحت حقوق التنقيب لدول أخرى، مثل روسيا والهند.
وتأمل أنقرة في تحقيق شراكة جديدة تضمن لها حقوقًا اقتصادية أوسع، لكن هذا الطموح يواجه معارضة من دول مثل اليونان وقبرص ومصر، التي أنشأت منتدى غاز شرق المتوسط عام 2019 بهدف التنسيق في تصدير الغاز، مع استبعاد تركيا من المشروع.
سوريا في قلب لعبة الطاقة العالمية
مع احتياطاتها الضخمة من الغاز، تجد سوريا نفسها في صلب صراع المصالح بين القوى الكبرى، حيث لم يعد ملف العقوبات متعلقًا فقط بالإصلاحات السياسية، بل بات أداة ضغط تُستخدم لضمان ترتيبات تخدم مصالح الغرب في سوق الطاقة.
ورغم أن الحكومة السورية الجديدة تحظى بترحيب دولي، فإن العقوبات ستبقى قائمة حتى تحقيق توازن يضمن للغرب التحكم في مستقبل موارد الطاقة السورية، ما يؤكد أن من يملك مفاتيح الغاز، يتحكم في سياسات المنطقة.