أخبار المدن السورية

إعادة الإعمار في سوريا بين الحاجة والقرار

ليس السؤال الملح في سوريا هو متى تبدأ إعادة الإعمار فقط، بل من يقرر شكلها، ولصالح من، وبأي ضمانات. فالمبنى الذي يعود إلى الواجهة قد يخفي نزاع ملكية لم يحسم، والطريق الذي يعاد تأهيله قد لا يخدم سكانه إن بقيت المياه والكهرباء والمدارس خارج الخطة. لهذا، فإن التعامل مع الملف بوصفه سباقاً لإعادة صب الإسمنت يهدد بتكرار مشكلات أعمق من الدمار نفسه.

بالنسبة إلى ملايين السوريين داخل البلاد وفي الاغتراب، يرتبط هذا الملف بأسئلة يومية مباشرة: هل يمكن العودة إلى المنزل بأمان؟ هل تبقى الملكية محفوظة؟ هل تتوافر فرص عمل حقيقية؟ وهل تصل الخدمات إلى المدن والأحياء والقرى وفق الحاجة، لا وفق النفوذ أو المصالح الضيقة؟ الإجابات ستحدد ما إذا كانت المرحلة المقبلة طريقاً إلى الاستقرار، أم إعادة إنتاج للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

إعادة الإعمار تبدأ من حقوق السكان

المنزل ليس حجارة فحسب. إنه عنوان قانوني، وذاكرة عائلية، وأصل اقتصادي قد يكون كل ما تملكه الأسرة. لذلك لا يمكن إطلاق مشاريع سكنية واسعة قبل بناء آلية واضحة وعلنية للتحقق من الملكيات، وتلقي الاعتراضات، وحماية حقوق الغائبين والنازحين واللاجئين.

كثير من السوريين فقدوا وثائقهم خلال سنوات النزوح والتنقل، أو وجدوا أنفسهم بعيدين عن مناطقهم عند تغير الوقائع الإدارية والأمنية. وأي إجراءات سريعة لتسجيل الأراضي أو تنظيم الأحياء من دون مدد كافية للإعلان والاعتراض، ومن دون تمثيل قانوني ميسر، قد تحول الضرر المؤقت إلى خسارة دائمة.

الحل لا يقتصر على أرشفة السجلات العقارية رقمياً، رغم أهمية ذلك. المطلوب لجان مستقلة أو مسارات قضائية متخصصة، وسجلات يمكن مراجعتها، وإتاحة الوصول إلى المعلومات، وتعويض عادل عند تعذر إعادة العقار. كما يجب أن تكون معايير التخطيط العمراني معلنة، حتى لا تصبح إعادة التنظيم باباً لإقصاء السكان الأصليين من مناطقهم بفعل ارتفاع الأسعار أو قرارات لا يشاركون فيها.

الأولوية للخدمات التي تعيد الحياة

قد تبدو مشاريع الأبراج والمجمعات التجارية أكثر جذباً لرؤوس الأموال، لكنها ليست بالضرورة ما تحتاجه مدينة خرجت من الحرب. في أحياء واسعة من حلب وحمص وريف دمشق ودير الزور وإدلب والحسكة، قد يكون إصلاح شبكة مياه أو محطة كهرباء أو طريق يصل إلى مركز صحي أهم أثراً من مشروع عمراني كبير يظل خارج قدرة معظم الأسر.

الأولوية العملية ينبغي أن تذهب إلى الخدمات الأساسية: مياه الشرب، الصرف الصحي، الكهرباء، المدارس، المراكز الصحية، والطرق التي تربط القرى بالأسواق. هذه القطاعات تخفف العبء عن الأسر فوراً، وتسمح بعودة النشاط الاقتصادي المحلي، وتحد من الهجرة الداخلية الجديدة بحثاً عن الخدمات.

لكن ترتيب الأولويات لا يمكن أن يكون موحداً في كل المحافظات. فاحتياجات حي متضرر في دمشق تختلف عن احتياجات قرية زراعية في ريف حماة، كما تختلف عن مدينة تعتمد على التجارة أو المعابر أو الصناعة. التخطيط المركزي وحده لا يكفي، والمجالس المحلية والنقابات والفعاليات الأهلية يجب أن تكون جزءاً من تحديد المشاريع ومراقبة تنفيذها.

الوظائف معيار النجاح الأول

إعادة تأهيل البنية التحتية تكتسب قيمتها الأكبر عندما تتحول إلى فرص عمل للسكان. الاعتماد الكامل على شركات خارجية أو عمالة مستوردة قد يسرع الإنجاز على الورق، لكنه يفوّت فرصة حيوية لإعادة تدوير الدخل داخل المجتمعات المتضررة.

يمكن للمشاريع العامة أن تفتح باب التدريب المهني في البناء والكهرباء والتمديدات الصحية والطاقة الشمسية وإدارة النفايات. كما تستطيع دعم الورش الصغيرة، ومصانع مواد البناء المحلية، والمزارعين الذين يحتاجون إلى الري والطرق والتخزين البارد قبل أي شيء آخر. هنا يصبح الإنفاق على الإعمار أداة إنتاج، لا مجرد تكلفة استهلاكية.

التمويل ليس منفصلاً عن السياسة

تحتاج سوريا إلى موارد ضخمة لا تستطيع الموازنة العامة وحدها تأمينها، لكن مصدر التمويل وشروطه يحددان نتائج المشروع. المنح الدولية قد توفر دعماً للخدمات العاجلة، فيما تستطيع الاستثمارات الخاصة تحريك قطاعات الإسكان والصناعة والنقل. غير أن كليهما يحتاج إلى قواعد تحمي المصلحة العامة.

المشكلة تبدأ حين يجري التعامل مع التمويل بوصفه هدفاً بحد ذاته. لا قيمة لمبالغ كبيرة تنفق عبر عقود غير معلنة، أو تمنح لمتعهدين من دون منافسة عادلة، أو تتجه إلى مناطق بعينها من دون معايير معلنة. الشفافية هنا ليست مطلباً إدارياً ثانوياً، بل شرط لتجنب الهدر والفساد وتضارب المصالح.

ينبغي نشر كلفة المشاريع، وجهات التنفيذ، ومدد الإنجاز، ونسب التقدم، وآليات الشكاوى. كما يجب إخضاع العقود الكبرى لتدقيق مستقل، مع منح الصحافة والمجتمع المدني مساحة لمتابعة التنفيذ. فالمواطن الذي ينتظر عودة المياه إلى حيه لا يحتاج وعوداً عامة، بل يحتاج إلى جدول واضح وبيانات قابلة للتحقق.

ومن الضروري أيضاً الحذر من تراكم الديون بشروط لا تتحملها الأجيال المقبلة. التمويل الميسر الذي يخدم قطاعات إنتاجية أو خدمات عامة قد يكون مفيداً، أما الاقتراض لتمويل مشاريع استعراضية أو غير مدروسة فقد يضيف عبئاً جديداً إلى اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف الإنتاج وارتفاع كلفة المعيشة.

ما الذي يهدد ملف إعادة الإعمار؟

أكبر خطر هو تحويل الملف إلى سوق عقارية سريعة الربح. عندما ترتفع أسعار الأراضي والإيجارات قبل أن تتحسن دخول السكان، تصبح العودة إلى الأحياء الأصلية بعيدة المنال حتى لو أعيد بناؤها. ويؤدي ذلك إلى فرز اجتماعي جديد، تخرج منه الأسر محدودة الدخل إلى أطراف تفتقر إلى النقل والخدمات والعمل.

الخطر الثاني هو غياب البيانات الدقيقة. لا يمكن تخطيط شبكة مدارس أو مستشفيات من دون معرفة أعداد المقيمين، وحركة النازحين، وحجم الضرر، وتوزع الفقر، وقدرة الشبكات القائمة. الاعتماد على تقديرات قديمة أو قرارات عامة ينتج مشاريع لا تطابق الواقع، ثم تتطلب كلفة إضافية لإصلاح أخطائها.

أما الخطر الثالث فيتعلق بالبيئة. إزالة الأنقاض من دون فرز ومعالجة، أو البناء فوق شبكات صرف متضررة، أو تجاهل مصادر التلوث، قد يخلق أزمة صحية طويلة. كما أن إدخال حلول للطاقة المتجددة والعزل الحراري وإدارة المياه منذ البداية أقل كلفة من تعديل الأبنية لاحقاً، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتراجع موثوقية الشبكات التقليدية.

خطة قابلة للقياس لا للشعارات

تحتاج المرحلة المقبلة إلى ترتيب زمني واقعي. في البداية، يجب تثبيت السلامة العامة وإزالة المخاطر وتأهيل الخدمات الحيوية. ثم يأتي إصلاح المساكن القابلة للترميم، ودعم سبل العيش، وإعادة تنشيط الأسواق المحلية. وبعد ذلك يمكن الانتقال إلى المشاريع العمرانية الأكبر، بشرط أن تستند إلى خرائط احتياج ومشاورات مجتمعية واضحة.

ومن المفيد قياس التقدم بمؤشرات يفهمها الناس: عدد الأسر التي عادت إلى منازل آمنة، ساعات الكهرباء الفعلية، نسبة المدارس العاملة، كلفة الوصول إلى المياه، الوظائف التي وفرها كل مشروع، وحجم الشكاوى التي عولجت. هذه المؤشرات أكثر صدقاً من الإعلان عن قيمة العقود أو عدد حجر الأساس.

كما يجب الحفاظ على حق السوريين في الخارج في المتابعة والمشاركة. فالمغتربون لا يمثلون مصدراً للتحويلات المالية فقط، بل يملكون خبرات مهنية وشبكات استثمار ومعرفة قانونية يمكن أن تدعم المدن والبلدات، إذا توفرت قنوات موثوقة لا تفرض عليهم مخاطر غير محسوبة أو إجراءات غامضة.

إعادة بناء سوريا ستأخذ سنوات طويلة، وربما عقوداً في بعض القطاعات. لكن البداية الصحيحة يمكن رؤيتها في قرار صغير قابل للمساءلة: مدرسة تعود للعمل، مضخة مياه تصلح في موعدها، أسرة تستعيد حقها في منزلها، أو عقد عام يعرف الناس أين تذهب قيمته. عندها فقط تصبح إعادة الإعمار وعداً عملياً للسوريين، لا عنواناً كبيراً يستهلكه الخطاب السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى