أخبار المدن السورية

كيف يستعيد الاستثمار الأجنبي ثقته في سوريا؟

لم يعد الحديث عن الاستثمار الأجنبي في سوريا مسألة مؤتمرات ووعود عامة فقط. بالنسبة إلى صاحب الورشة الذي ينتظر كهرباء مستقرة، والمزارع الذي يبحث عن سوق لتصريف محصوله، والشاب الذي يفتش عن فرصة عمل، فإن دخول رأس المال الخارجي يرتبط بأسئلة مباشرة: هل ستتحسن الخدمات؟ هل ستنخفض كلفة الإنتاج؟ وهل ستكون الوظائف حقيقية ومستدامة أم مؤقتة ومحصورة؟

في المرحلة الانتقالية، تبرز الحاجة إلى قراءة هذا الملف بوصفه جزءًا من إعادة بناء الاقتصاد السوري، لا باعتباره حلًا سريعًا لكل الأزمات. فالمال الأجنبي يمكن أن يفتح خطوط إنتاج ويعيد تأهيل منشآت متوقفة، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى بيئة تحميه وتحمي العامل السوري والمستهلك والسوق المحلية.

لماذا يحتاج الاقتصاد السوري إلى رأس المال الخارجي؟

تعرضت قطاعات واسعة في سوريا خلال السنوات الماضية لخسائر كبيرة في البنية التحتية والإنتاج وسلاسل الإمداد. كثير من المنشآت الصناعية والزراعية تعمل بطاقات محدودة، بينما تحتاج شبكات الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات إلى تأهيل واسع. وفي هذه الظروف، لا تكفي الموارد العامة وحدها لتغطية حجم الاحتياجات، خصوصًا مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة التمويل الداخلي.

هنا تظهر قيمة المستثمر الخارجي عندما يأتي برأس المال والخبرة والأسواق معًا. المستثمر الذي يشارك في إنشاء مصنع للدواء أو تعبئة المنتجات الزراعية أو تصنيع مواد البناء لا يضيف تمويلًا فقط، بل قد يفتح قناة لتوريد معدات، وينقل معرفة إدارية وتقنية، ويربط الإنتاج المحلي بأسواق التصدير.

لكن الفرق جوهري بين استثمار يخلق قيمة داخل البلد، واستثمار يبحث عن ربح سريع من المضاربات أو من شراء الأصول بأسعار منخفضة. الأول يدعم الإنتاج والتشغيل، والثاني قد يزيد الضغط على العقارات والعملة والأسعار من دون أثر تنموي واضح.

ما الذي يراقبه المستثمر قبل اتخاذ القرار؟

لا يتخذ المستثمر قراره بناء على إعلان واحد أو حوافز ضريبية محدودة. القرار يُبنى على حساب المخاطر: هل يستطيع تسجيل شركته بوضوح؟ هل يملك حق تحويل أرباحه وفق قواعد معلنة؟ هل يمكنه اللجوء إلى قضاء تجاري فعّال عند النزاع؟ وهل تتغير الرسوم والتعليمات الجمركية من دون إنذار؟

وضوح التشريعات هو النقطة الأولى. المستثمر، سواء كان سوريًا في الاغتراب أو شركة إقليمية أو جهة دولية، يحتاج إلى نصوص قابلة للتطبيق لا إلى استثناءات تفاوضية. ومن الضروري أن تكون إجراءات الترخيص وتخصيص الأراضي والتراخيص البيئية والاستيراد معلنة زمنيًا، مع جهة مسؤولة يمكن مساءلتها عند التأخير.

أما النقطة الثانية فهي الخدمات الأساسية. لا يمكن لمعمل غذائي أو دوائي أن يخطط للإنتاج إذا كانت الكهرباء غير مستقرة، أو إذا كانت كلفة النقل مرتفعة إلى حد يلتهم هامش الربح. لذلك، فإن تحسين الطاقة والطرق والمرافئ والمنافذ الحدودية ليس ملفًا خدميًا منفصلًا، بل شرط اقتصادي مباشر لجذب التمويل.

وتبقى المصارف والتحويلات في صلب المعادلة. أي مشروع يحتاج إلى دفع ثمن معدات ومواد أولية، واستلام إيرادات، وتغطية رواتب والتزامات. كلما كانت القنوات المالية أكثر وضوحًا وامتثالًا للقواعد الدولية، انخفضت المخاطر وارتفعت فرص التمويل المشروع.

الاستثمار الأجنبي في سوريا: قطاعات الأولوية

لا ينبغي أن تُوزع الحوافز بالتساوي بين كل القطاعات. الأولوية يجب أن تذهب إلى المشاريع التي تعالج اختناقات يومية وتزيد قدرة البلاد على الإنتاج، لا إلى النشاطات التي تستنزف الموارد أو ترفع الأسعار من دون مردود عام.

الزراعة والتصنيع الغذائي يمثلان فرصة عملية، من الري الحديث وتخزين المحاصيل إلى الفرز والتوضيب والتبريد. الاستثمار في هذه الحلقة يقلل الهدر، ويرفع دخل المنتج، ويمنح المستهلك منتجات أكثر استقرارًا. كما أن المحافظات الزراعية تستطيع الاستفادة من منشآت متوسطة الحجم، لا من المشاريع الكبرى فقط.

وفي الصناعة، تحتاج سوريا إلى إعادة تشغيل قطاعات الأدوية والنسيج والمواد الهندسية ومواد البناء، مع التركيز على تحديث الآلات وترشيد استهلاك الطاقة. نجاح هذه المشاريع مرتبط بتوافر المواد الأولية وبسياسة جمركية لا تعاقب المصنع المحلي مقارنة بالسلعة المستوردة الجاهزة.

كذلك، يحمل قطاع الطاقة المتجددة أهمية خاصة. تركيب منظومات شمسية للمصانع والمشافي ومحطات الضخ يمكن أن يخفف عبئًا مستمرًا على الإنتاج والخدمات. إلا أن نجاحه يتطلب قواعد واضحة لشراء الكهرباء، وصيانة التجهيزات، وإدخال المعدات وفق مواصفات تمنع إغراق السوق بمنتجات رديئة.

أما قطاع الإسكان، فيحتاج إلى حذر أكبر. إعادة الإعمار ضرورة، لكن جذب التمويل إلى العقارات الفاخرة وحدها لا يحل أزمة السكن. المطلوب هو تشجيع مشاريع سكنية ميسورة، مع حماية حقوق الملكية ومنع استغلال غياب الوثائق أو النزوح في بيع العقارات والنزاع عليها.

الحوافز وحدها لا تصنع ثقة

تقدم الدول عادة إعفاءات ضريبية أو تخفيضات جمركية لجذب المستثمرين. هذه الأدوات مفيدة، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا مُنحت بلا معايير أو بقيت سرية. الإعفاء الذي يمنح لمشروع منتج يخلق وظائف وينقل تقنية يختلف عن إعفاء يمنح لتجارة استهلاكية لا تضيف شيئًا للسوق.

المطلوب هو ربط أي حافز بمؤشرات قابلة للقياس: عدد فرص العمل، نسبة المكونات المحلية، حجم التصدير، التدريب المهني، وكفاءة استخدام المياه والطاقة. كما يجب نشر القواعد بوضوح حتى لا يصبح الحصول على الامتيازات مرتبطًا بالعلاقات الشخصية أو بالقدرة على الوصول إلى مراكز القرار.

الشفافية تحمي المستثمر الجاد أيضًا. فعندما تكون العقود العامة والمناقصات وقواعد تخصيص الأراضي واضحة، يصبح من السهل التمييز بين مشروع اقتصادي حقيقي ومشروع قائم على النفوذ. وهذا ضروري لاستعادة ثقة السوريين في الداخل والخارج قبل استعادة ثقة الشركات الأجنبية.

أين تقف المخاطر؟

أكبر المخاطر ليست اقتصادية فقط. عدم الاستقرار الأمني، وتضارب الصلاحيات الإدارية، وصعوبة تنفيذ العقود، وتذبذب سعر الصرف، كلها عوامل ترفع كلفة أي مشروع. وقد يفضّل المستثمر عندها الانتظار أو توجيه أمواله إلى أسواق أخرى، حتى لو كانت فرص الربح في سوريا أعلى على الورق.

كما أن العقوبات والقيود المالية تفرض واقعًا لا يمكن تجاهله. أي حديث مسؤول عن استقطاب الاستثمارات يجب أن يفرّق بين الأنشطة المسموح بها قانونيًا وتلك التي قد تعرض الشركات أو المصارف لمخاطر قانونية. المبالغة في الوعود، أو تجاهل متطلبات الامتثال، لا تجذب استثمارًا مستدامًا بل قد تشجع وسطاء ومشاريع غير شفافة.

هناك أيضًا خطر أن يؤدي تدفق الأموال غير المنظم إلى ارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات، بما يضر بالأسر وأصحاب الأعمال الصغيرة. لذلك تحتاج المدن والمحافظات إلى تخطيط محلي يحدد مناطق الصناعة والخدمات والسكن، ويمنع تحول الاستثمار إلى سباق على العقارات فقط.

دور السوريين في الاغتراب

يمتلك السوريون المقيمون في الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج ميزة لا تتوافر دائمًا للشركات الكبرى: فهم يعرفون حاجات السوق المحلية، ولديهم روابط عائلية وتجارية، ويستطيعون نقل خبرات ومعايير عمل جديدة. لكن هذه الشريحة لن تعود بأموالها لمجرد النداء الوطني إذا بقيت الإجراءات ضبابية أو كانت حماية الحقوق غير مضمونة.

يمكن أن يكون الاستثمار التشاركي في المشاريع الصغيرة والمتوسطة مدخلًا واقعيًا. ورش التصنيع، ومراكز الخدمات الطبية، ومشاريع البرمجيات، وسلاسل التبريد، والطاقة اللامركزية، كلها مجالات قد تبدأ برؤوس أموال أقل من المشاريع العملاقة وتوزع أثرها على مناطق أوسع.

المطلوب من الجهات العامة هو التعامل مع المستثمر السوري في الخارج كشريك اقتصادي له حقوق وواجبات واضحة، لا كمصدر تحويلات فقط. كل معاملة تنجز بشفافية، وكل نزاع يحل بعدالة، يمكن أن يكون رسالة أقوى من أي حملة ترويجية.

كيف يُقاس النجاح على الأرض؟

لا يُقاس نجاح الاستثمار بعدد مذكرات التفاهم أو حجم الإعلانات. المعيار الحقيقي هو ما يظهر في حياة الناس: وظائف بعقود واضحة، إنتاج محلي أعلى، استقرار نسبي في توافر السلع، وتحسن في الخدمات التي يعتمد عليها العمل اليومي.

ينبغي متابعة نوعية الوظائف أيضًا. مشروع يوظف عمالة مؤقتة بأجور منخفضة ومن دون تدريب لا يترك الأثر نفسه الذي يتركه مشروع يبني مهارات فنية ويعطي العامل فرصة للتطور. كما أن مشاركة النساء والشباب وأبناء المناطق المتضررة في فرص العمل يجب أن تكون جزءًا من تقييم أي مشروع كبير.

الاستثمار الجيد لا يطلب من السوريين الانتظار حتى تتحسن الظروف وحدها، بل يشارك في تحسينها ضمن قواعد عادلة. وكل قرار يرفع الشفافية، ويحمي الملكية، ويمنح الإنتاج أولوية على المضاربة، يقرّب سوريا خطوة من رأس مال يبقى ويعمل بدل أن يمر سريعًا بحثًا عن مكسب عابر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى