أخبار المدن السورية

حالات احتيال شراء المنازل وكيف تكشفها مبكرًا

شراء منزل ليس مجرد اتفاق على سعر ومفتاح يُسلَّم في نهاية المعاملة. في سوريا، وخصوصًا عندما يجري التفاوض من الخارج أو عبر وسطاء وأقارب، قد تبدأ حالات احتيال شراء المنازل بصورة تبدو عادية: إعلان مغرٍ، صورة لبيت مرتب، وسعر أقل من السوق، ثم طلب سريع لتحويل عربون قبل استكمال التحقق.

الخسارة في الاحتيال العقاري لا تتوقف عند المبلغ المدفوع. فقد يجد المشتري نفسه أمام عقار لا يملكه البائع، أو نزاع ورثة، أو وكالة غير نافذة، أو قيود قانونية لم تظهر في الحديث الأول. لذلك لا ينبغي التعامل مع أي عرض عقاري بوصفه فرصة، قبل اعتباره ملفًا يحتاج إلى تدقيق قانوني ومالي مستقل.

لماذا تزداد المخاطر في الشراء عن بعد؟

المغترب السوري الذي يريد شراء منزل لعائلته أو حفظ مدخراته يواجه مسافة جغرافية ومعلوماتية في آن واحد. قد يعتمد على صور ومقاطع مصورة لا تثبت موقع العقار أو حالته الحالية، أو يوكل شخصًا لمتابعة الصفقة دون تحديد صلاحياته بدقة. كما أن تغير الأسعار، وتفاوت إجراءات التسجيل بين المناطق، ووجود عقارات متضررة أو متنازع عليها، كلها عوامل تجعل التحقق المباشر أكثر ضرورة.

ولا يعني ذلك أن كل شراء عن بعد غير آمن. لكنه يحتاج إلى طبقات إضافية من الفحص: معاينة مستقلة، مراجعة السجل العقاري حيثما كان ذلك ممكنًا، تدقيق الوكالة، وتوثيق كل دفعة بطريقة يمكن إثباتها. كلما استعجل الطرف الآخر هذه الخطوات، ارتفع مستوى الحذر المطلوب.

أبرز حالات احتيال شراء المنازل

بيع عقار لا يملكه البائع

من أكثر الصور خطورة أن يعرض شخص منزلًا باسمه أو باسم قريب له، بينما لا يملك حق التصرف به. وقد يستخدم صورًا التقطها سابقًا، أو يدعي أن الأوراق ستُستكمل لاحقًا بسبب سفر المالك أو وجود ظرف عائلي. المشكلة هنا أن الحيازة الفعلية للمفتاح أو الإقامة في المنزل لا تعني بالضرورة الملكية القانونية.

يجب التحقق من هوية البائع وصلته بالعقار، ومطابقة اسمه مع الوثائق الرسمية المتاحة، وعدم الاكتفاء بصورة عن سند أو بيان ملكية يرسل عبر الهاتف. الوثيقة القديمة، أو الوثيقة المقتطعة الصورة، أو الورقة التي لا تتضح فيها الأختام والبيانات، لا تصلح أساسًا لتحويل المال.

استخدام وكالة مزورة أو منتهية الصلاحية

قد يكون البائع وكيلًا عن المالك، وهذا أمر شائع في معاملات المغتربين. لكن الوكالة لا تُفهم من عنوانها فقط. ينبغي معرفة إن كانت خاصة بالعقار المقصود، وما إذا كانت تمنح حق البيع والتوقيع واستلام الثمن، وهل ما زالت نافذة، وهل صدرت وفق الأصول المعترف بها في مكان تسجيل العقار.

تزداد الحساسية عندما تكون الوكالة صادرة في دولة أخرى أو قديمة العهد أو مرتبطة بمالك متوفى. في هذه الحالات، لا يكفي القول إن الوكالة موجودة. يجب أن تُراجع من جهة قانونية مستقلة قبل أي التزام مالي، لأن دفع الثمن لوكيل غير مخول قد يفتح نزاعًا طويلًا لا يحسمه حسن النية وحده.

عربون مقابل وعد شفهي

يستغل بعض المحتالين رغبة المشتري في حجز العقار قبل أن يسبقه شخص آخر. تظهر العبارة المعتادة: «هناك مشترٍ جاهز، حوّل العربون اليوم». وقد يكون العرض حقيقيًا من حيث وجود المنزل، لكن البائع لا يملك صلاحية بيعه أو لا ينوي استكمال المعاملة أصلًا.

العربون لا ينبغي أن يُدفع بناء على رسائل هاتفية أو تسجيلات صوتية أو وعود من وسيط. وإذا كان لا بد من دفع مبلغ أولي، فيجب أن يكون ضمن اتفاق مكتوب يحدد العقار بدقة، واسم الأطراف، والمبلغ، وسبب الدفع، وحالات استرداده، والمهلة المحددة لإتمام التحقق والتسجيل. وكلما كان المبلغ المطلوب نقدًا أو عبر تحويل إلى حساب شخص ثالث، كانت الإشارة أكثر إثارة للشك.

إخفاء الرهون والنزاعات والحقوق القائمة

قد يبدو العقار سليمًا من الخارج، لكنه مرتبط بدين أو حجز أو دعوى قضائية أو حقوق لورثة وشركاء. وفي بعض الحالات، يُعرض المنزل قبل حسم قسمة الإرث أو قبل موافقة جميع أصحاب الحق، ثم يُترك المشتري لمواجهة الاعتراضات لاحقًا.

هنا يظهر الفرق بين فحص العقار وفحص صفته القانونية. المعاينة تكشف التشققات والرطوبة وحدود البناء، أما المراجعة القانونية فتبحث في الملكية والقيود والتفويضات. لا يجوز أن يحل أحدهما محل الآخر، لأن منزلًا ممتازًا من الناحية الإنشائية قد يكون معقدًا قانونيًا، والعكس صحيح.

علامات حمراء لا يجب تجاهلها

ليس كل سعر منخفض عملية احتيال، فقد يكون المالك بحاجة فعلية إلى السيولة أو ينتقل إلى مدينة أخرى. لكن اجتماع عدة مؤشرات في وقت واحد يستدعي وقف الصفقة مؤقتًا، لا التفاوض على تخفيض إضافي.

  • سعر أقل بكثير من أسعار العقارات المشابهة في الحي من دون تفسير قابل للتحقق.
  • رفض البائع تمكين المشتري أو ممثله المستقل من معاينة العقار والوثائق الأصلية.
  • ضغط متكرر لدفع العربون خلال ساعات، بحجة وجود مشترين آخرين أو سفر وشيك.
  • اختلاف أسماء المالك والبائع والحساب الذي يُطلب التحويل إليه، من دون وثائق واضحة تشرح العلاقة.
  • الاعتماد على صور أو مقاطع قديمة، أو الامتناع عن إجراء اتصال مرئي مباشر من داخل العقار ومحيطه.

القاعدة العملية بسيطة: الطرف الجاد لا يخاف من الأسئلة المعقولة، ولا يمانع إعطاء وقت محدد للتحقق. أما من يحوّل كل استفسار إلى اتهام بعدم الثقة، أو يطالب بالدفع قبل إظهار المستندات، فهو يحمّل المشتري مخاطرة لا ينبغي قبولها.

كيف تُحصّن الصفقة قبل تحويل المال؟

ابدأ بمعاينة مستقلة لا يقوم بها الوسيط نفسه ولا شخص تربطه مصلحة بالبائع. من الأفضل أن يقارن الممثل الميداني عنوان العقار وحدوده ووصفه بما يظهر في الأوراق، وأن يصور الزيارة بتاريخ واضح، مع إظهار الشارع والمداخل والعناصر التي تثبت الموقع. الصور وحدها لا تكفي، لكنها تمنع كثيرًا من الالتباس المتعمد.

بعد ذلك، راجع سلسلة الحق في البيع: من هو المالك؟ هل البائع هو المالك أم وكيل عنه؟ هل توجد أطراف أخرى يجب أن توافق؟ وهل يمكن التحقق من السجل العقاري أو المرجع المختص في المنطقة؟ تختلف الإجراءات والوثائق المطلوبة بحسب المحافظة ووضع العقار، لذلك لا توجد ورقة واحدة تصلح ضمانًا في جميع الحالات.

في مرحلة العقد، لا تعتمد على نماذج عامة من الإنترنت أو على اتفاق كتبه الوسيط وحده. يجب أن يذكر العقد الوصف الدقيق للعقار، والسعر الكامل، وطريقة السداد، ومواعيد التسليم والتسجيل، والتزامات كل طرف إذا ظهر مانع قانوني. كما ينبغي أن تكون أي دفعة قابلة للإثبات، مع إيصال واضح يربطها بالعقد والعقار المحدد.

أما التحويلات المالية من الولايات المتحدة أو من دول الاغتراب، فتحتاج حذرًا إضافيًا. لا تُرسل المال إلى حساب شخص لا صلة موثقة له بالصفقة، ولا تقبل تقسيم الدفعات بين عدة أسماء بذريعة تسهيل الاستلام. إذا كانت طريقة الدفع غير قابلة للتوثيق أو تدفعك لتجاوز القنوات النظامية، فقد تكون المخاطرة أكبر من قيمة العقار نفسه.

ماذا تفعل عند الاشتباه؟

إذا ظهرت تناقضات في الوثائق أو تغيرت رواية البائع أو أصر على الدفع الفوري، أوقف أي تحويل جديد. احتفظ بنسخ من الإعلان، والمحادثات، والوثائق المرسلة، وإيصالات التحويل، وأسماء الوسطاء والشهود. هذه التفاصيل قد تكون حاسمة عند طلب استشارة قانونية أو تقديم بلاغ إلى الجهة المختصة حيث وقعت المعاملة.

ولا تحاول معالجة الاشتباه بدفع مبلغ إضافي مقابل «حل المشكلة». هذه من أكثر الطرق التي توسع الخسارة، إذ ينتقل المحتال من طلب عربون إلى رسوم تسجيل مزعومة أو تكاليف رفع حجز أو عمولة عاجلة. التوقف المبكر ليس تعطيلًا للصفقة، بل حماية للمدخرات التي جُمعت غالبًا بعد سنوات من العمل.

العقار الجيد لا يختفي لأنك طلبت يومًا إضافيًا للتدقيق. قبل أن تشتري، اجعل السؤال الأول ليس: هل السعر مناسب؟ بل: هل أستطيع إثبات حق البائع في البيع، وحقّي أنا في التسجيل، بكل وثيقة وكل دفعة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى