ما الذي يحدد نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا؟
حين تتأخر معاملة مدنية، أو تتعطل مدرسة، أو ترتفع كلفة نقل البضائع بين المحافظات، لا تبدو المرحلة الانتقالية ملفًا سياسيًا بعيدًا عن حياة السوريين. إنها تظهر مباشرة في قدرة الدولة على تقديم خدمة، وفي وضوح القواعد التي تحكم السوق، وفي شعور المواطن بأن حقه لا يتوقف على نفوذ شخص أو مزاج جهة محلية.
في سوريا، لا يُقاس نجاح أي انتقال سياسي بإعلان دستوري أو بتغيير أسماء المؤسسات وحده. المعيار الأصعب هو انتقال الناس من واقع الاستثناء والخوف وتعدد مراكز القرار إلى واقع قانون واضح وإدارة قابلة للمحاسبة واقتصاد يسمح بالعمل والإنتاج. وهذه مهمة واسعة، لأن آثار سنوات النزاع لم تتوقف عند السياسة، بل امتدت إلى القضاء والسكن والتعليم والنزوح والملكية والبنية الخدمية.
المرحلة الانتقالية ليست مهلة مفتوحة
المرحلة الانتقالية هي فترة مؤقتة بين نظام حكم مضطرب أو منتهٍ وبين نظام مستقر يستند إلى قواعد دستورية ومؤسسات دائمة. لكنها ليست فراغًا سياسيًا يسمح بتأجيل القرارات الضرورية. على العكس، تحتاج هذه الفترة إلى قرارات محددة، معلنة، ومقيدة بزمن، كي لا تتحول كلمة الانتقال إلى غطاء لاستمرار الغموض.
ويبدأ الفرق من سؤال بسيط: من يملك صلاحية القرار؟ إذا كانت الصلاحيات موزعة بلا ضوابط، أو إذا صدرت القرارات من جهات متعددة ومتناقضة، فإن المواطن والتاجر والموظف لا يعرفون إلى من يلجأون. الغموض الإداري يفتح الباب للفساد، ويضاعف الكلفة على الناس، ويجعل أي حديث عن الاستقرار مجرد عنوان غير مكتمل.
لذلك تحتاج السلطة الانتقالية، أيًا كان شكلها، إلى تحديد صلاحياتها بصورة علنية: ما القرارات التي تملك إصدارها؟ ما الذي يتطلب تشاورًا أوسع؟ ما مدة الولاية؟ وكيف يجري الاعتراض على القرارات أو مراجعتها؟ هذه التفاصيل لا تقل أهمية عن الخطاب السياسي، لأنها ترسم حدود السلطة وتحمي المجتمع من العودة إلى الحكم بلا رقابة.
الأولوية الأولى: دولة خدمات لا دولة وعود
المواطن السوري لا ينتظر من المرحلة الانتقالية أن تحل كل الأزمات في وقت قصير. لكنه ينتظر مؤشرات واقعية: وثيقة رسمية يمكن الحصول عليها من دون وساطة، طريق آمن، مدرسة تعمل، مستشفى يملك الحد الأدنى من التجهيزات، وقضاء يمكن الوثوق بإجراءاته.
إعادة انتظام الخدمات العامة ليست مسألة تقنية فقط. عندما تصل المياه والكهرباء والرعاية الصحية على أساس واضح وعادل، تتراجع قدرة القوى المحلية أو الشبكات غير الرسمية على تحويل الاحتياجات الأساسية إلى أدوات ضغط. كما أن انتظام الخدمات يعيد ربط المحافظات بالدولة من خلال تجربة يومية ملموسة، لا من خلال الشعارات.
وهنا تظهر خصوصية المدن والبلدات السورية. ما تحتاجه دمشق في إدارة النقل والسكن قد يختلف عما تحتاجه حلب في إعادة تنشيط الصناعة، أو ما تحتاجه الحسكة من استقرار زراعي ومائي، أو ما تحتاجه إدلب وريف حمص من معالجة آثار النزوح وتبدل الملكيات. المركزية الشديدة قد تعطل الحلول، لكن تفكك القرار المحلي يخلق بدوره فوضى قانونية. المطلوب توازن يمنح الإدارات المحلية مساحة تنفيذ حقيقية ضمن قانون وطني واحد.
الأمن والقانون: لا استقرار من دون قواعد معلنة
يظل الأمن من أكثر ملفات المرحلة حساسية. فالناس تحتاج إلى حماية فورية من الجريمة والانتهاكات والانتقام، لكن الأمن الذي لا يخضع للقانون يتحول بسرعة إلى مصدر قلق جديد. هذه المعادلة لا تحتمل الاختصار: لا يمكن بناء طمأنينة دائمة عبر إجراءات استثنائية بلا رقابة، ولا يمكن في الوقت نفسه تجاهل مخاطر السلاح المنفلت والجماعات التي تعمل خارج مؤسسات الدولة.
الخطوة الضرورية هي توحيد مرجعية إنفاذ القانون، ووضع قواعد معلنة للتوقيف والتحقيق والمحاكمة، وربط أجهزة الأمن برقابة قضائية وإدارية. من حق الأسر أن تعرف أين يوجد الموقوفون، وما التهم الموجهة إليهم، وما المسار القانوني المتاح للدفاع عنهم. غياب هذه الضمانات يبقي الجراح مفتوحة، ويغذي الشائعات، ويضعف الثقة بأي مؤسسة ناشئة.
كما أن العدالة لا تعني الانتقام الجماعي أو تحميل جماعات كاملة مسؤولية أفعال أفراد. المساءلة الفعالة تقوم على الأدلة والمسؤولية الفردية وحق الضحايا في معرفة الحقيقة. وقد تكون الإجراءات بطيئة بسبب حجم الملفات وتعقيدها، لكن البطء المنظم أفضل من تسويات غامضة تعيد إنتاج الإفلات من العقاب.
الاقتصاد يحدد مزاج الانتقال
لا يمكن فصل السياسة عن سعر الخبز والوقود، ولا عن قدرة رب الأسرة على تأمين دخل مستقر. الانتقال الذي لا يخفف الضغط المعيشي قد يفقد تأييده حتى لو حقق تقدمًا في الملفات الدستورية. وفي المقابل، فإن الإنفاق السريع بلا رقابة أو حلول نقدية مؤقتة قد يرفع التوقعات ثم يترك السوق أمام موجة جديدة من التضخم والعجز.
الاقتصاد السوري يحتاج في هذه المرحلة إلى قواعد يمكن توقعها قبل أن يحتاج إلى عناوين كبيرة. التاجر يحتاج إلى معرفة الرسوم والإجراءات، والمزارع يحتاج إلى مدخلات إنتاج ومسار آمن لتسويق محصوله، والصناعي يحتاج إلى كهرباء وتمويل وحماية قانونية لعقوده، والمغترب يحتاج إلى قنوات رسمية آمنة لتحويل الأموال والاستثمار من دون مخاطر ابتزاز أو نزاعات ملكية لاحقة.
ملف العقارات مثال مباشر على ذلك. سنوات النزوح والتهجير وتضرر السجلات خلقت نزاعات واسعة حول البيوت والأراضي والمحلات التجارية. أي تساهل في التوثيق أو أي استيلاء تحت ضغط الواقع سيصنع نزاعات طويلة تعطل الإعمار وتفقد الناس ما تبقى من أمان. المطلوب سجلات شفافة، وحق اعتراض فعلي، وحماية خاصة للغائبين والنازحين والورثة، مع إجراءات تمنع الاحتيال تحت عنوان البيع السريع.
مشاركة السوريين ليست تفصيلًا سياسيًا
السوريون داخل البلاد ليسوا كتلة واحدة، كما أن ملايين السوريين في الخارج ليسوا متفرجين على مستقبل وطنهم. لكل فئة أسئلة ومخاوف مختلفة: الموظف يريد راتبًا وإدارة مستقرة، الطالب يريد شهادة معترفًا بها، النازح يريد ضمانات للعودة، ورجل الأعمال يريد قانونًا يحمي الاستثمار، والأسرة في الاغتراب تريد وثائق وسفارات وإجراءات واضحة.
لهذا فإن أي حوار وطني جدي يجب أن يكون منظمًا وقابلًا للقياس، لا مجرد لقاءات رمزية. المشاركة تعني نشر مسودات القوانين، وتلقي الاعتراضات، وشرح أسباب القرارات، وإتاحة المجال للنقابات والجامعات والبلديات ومنظمات المجتمع لتقديم رأيها. لا يعني ذلك أن كل قرار يحتاج إجماعًا كاملًا، فالإجماع قد يكون مستحيلًا، لكنه يعني أن القرار يجب أن يمر عبر نقاش يمكن تتبعه ومراجعته.
وتبرز هنا أهمية الإعلام المهني. في الفترات الانتقالية تنتشر الأخبار المبتورة والشائعات، خصوصًا في ملفات العفو، والسفر، والجوازات، والحدود، والعقارات، والقرارات المالية. المعلومة الدقيقة ليست خدمة ثانوية، بل جزء من الاستقرار؛ لأنها تمنع الاستغلال وتساعد المواطنين على اتخاذ قراراتهم على أساس واضح.
كيف تُقاس النتائج؟
الخطابات العامة لا تكفي للحكم على مسار المرحلة الانتقالية. الأفضل هو متابعة مؤشرات ملموسة يمكن للناس والصحافة مراقبتها: هل تصدر القرارات في الجريدة الرسمية أو عبر قنوات معلنة؟ هل تعمل المحاكم وفق إجراءات مفهومة؟ هل تتقلص مدة إنجاز الوثائق؟ هل يستطيع المواطن تقديم شكوى ومتابعتها؟ وهل تتراجع الفوارق في الخدمة بين المدن والمناطق؟
كذلك، يجب الانتباه إلى الفجوة بين العاصمة والمحافظات. قد تبدو الإجراءات ناجحة في المراكز الإدارية، بينما تواجه مناطق أخرى نقصًا في الموظفين أو ضعفًا في البنية التحتية أو صعوبة في الوصول إلى العدالة. نجاح الانتقال لا يُقاس بما يحدث في قاعة رسمية فقط، بل بما يصل إلى الريف والأحياء الطرفية ومخيمات النزوح والمعابر.
المرحلة الانتقالية لن تكون خالية من الأخطاء أو التوترات، وهذا أمر متوقع في بلد يحمل إرثًا ثقيلًا من الانقسام والخسائر. لكن الفارق الحاسم هو في طريقة التعامل مع الخطأ: هل يُعترف به ويُصحح ضمن القانون، أم يُنكر حتى يتحول إلى أزمة أكبر؟ ما يحتاجه السوريون اليوم هو مؤسسات تسمع، وتوضح، وتتصرف ضمن حدود معلنة. عندها فقط يصبح الانتقال طريقًا إلى دولة يمكن الوثوق بها، لا انتظارًا طويلًا لوعود جديدة.



